السيد كمال الحيدري

371

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فقوله تعالى : . . . فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . . . ( البقرة : 184 ) ، يتضمّن قضية شرطية ، وهي واضحة الدلالة على وجوب القضاء بعد شهر رمضان . الجهة الثانية : إنَّ هذا الأمر الإرشادي يتضمَّن أمراً مولوياً ، فهو من قبيل قول الطبيب للمريض : إذا أردت العيش فلا تشرب السمّ ، فذلك لا يتضمَّن التخيير البتّة بين شرب السمّ وعدمه ، وإنما هو مساوق للنهي عن شرب السمّ ، إذ لا يُوجد في السيرة العقلائية من يرفض الحياة ويطلب الموت والفناء ؛ وكقوله للمريض إذا أردت الشفاء فاشرب الدواء ، فإنها وإن كانت قضية شرطية إلا أنها تتضمّن أمراً بلزوم شرب الدواء ، وأما طاعة المريض فذلك أمر آخر ، فله الاستجابة لأمر الطبيب وعدم الاستجابة ، لا لوجود تخيير من قبل الطبيب ، وإنما لأنه حرّ في أفعاله ، وهكذا الحال في المقام ، فإنه لا يُوجد تخيير إلهي بالكفر بالطاغوت وعدم الكفر به ، ولكنَّ المخاطب يُمكنه الاستجابة أو عدم الاستجابة . الجهة الثالثة : إنَّ هذه القضية الشرطية يتّضح مضمونها بالأمر المولوي من خلال تكرّر مضمونها في نصوص أُخرى ، من قبيل قوله تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ . . . ( النحل : 36 ) ، فالله سبحانه لم يُخيِّر الإنسان في مسألة الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى ، فهو سبحانه لا يرضى من الإنسان غير الإيمان ، ولكنه في نفس الوقت أراد منه أن يكون كفره بالطاغوت وإيمانه بالله تعالى بمحض إرادة الإنسان لا بإكراهه على ذلك . والآن ينبغي لنا الوقوف عند الوجوه المصداقية للعروة الوثقى ، نذكر منها : الوجه الأوّل : التسليم لله بقيد الإحسان ، كما في قوله تعالى : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ